تصفُّح الأقسام:
تتميز روسيا بمساحتها الشاسعة وتنوُّع سكانها الذين ينتمون إلى أعراق وأديان مختلفة.
وقد صاغت آلاف السنين من التاريخ هذه المنظومة الثقافية،
حيث أثَّرت فيها التقاليد المتنوعة للجنسيات العديدة التي عاشت جَنْبًا إلى جنب على الأراضي الروسية. الثقافة الروسية موضوع متشعب ومتعدد الأوجه، ولها جذور تاريخية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعادات
وتقاليد تتوارثها الأجيال
جيلًا بعد جيل.
سنتحدث في هذا النص عن الثقافة الروسية، التي قد تكون غير مألوفة للوافدين حديثًا إلى بلادنا ويرغبون في التعرُّف عليها على نحو أفضل. مصطلح "المنظومة الثقافية" هو مفهوم شامل يضم جوانب متعددة. دعونا نلقِ نظرة أقرب على كل جانب منها.
العادات والتقاليد
الأعياد والطقوس وما يميزها
لكي نتعمق في موضوع الثقافة ونفهم الشخصية الروسية بطريقة أفضل،
نحتاج أولًا إلى التعرُّف على عادات روسيا وتقاليدها. ما المقصود بها؟ تُعدّ العادات والتقاليد جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للناس، وهي تنتقل من جيل إلى جيل، لتشكّل الصورة الفريدة للأمة
وتراثها الثقافي.
كرم الضيافة الروسي
يُعد كرم الضيافة من أبرز وأجمل سمات الشعب الروسي.
ويظهر ذلك في الاستعداد الدائم لاستقبال الضيوف وخدمتهم، وفي الود والانفتاح تجاههم. تعود تقاليد وعادات الضيافة الروسية إلى العصور القديمة.
يدعو الروس دائمًا ضيوفهم إلى منازلهم، مما يؤكد على السمة الوطنية المتمثلة في كرم الضيافة والانفتاح والدفء. ومن المعتاد استقبال الضيوف عند عتبة الباب ومرافقتهم إلى مائدة الطعام. المائدة الروسية دائمًا ما تكون وليمة سخية، تضمن للجميع الشعور بالشبع والرضا. ولكل سيدة منزل وصفاتها الخاصة التي تنقلها للأجيال القادمة في العائلة. وفي أثناء وجبات الأعياد، يتبادل المضيفون والضيوف نخب الأمنيات الطيبة لبعضهم بعضًا، ويتمنون الصحة الوفيرة لجميع الحاضرين. وغالبًا ما يدعو الروس أصدقاءهم وأقاربهم ليس فقط في المناسبات الاحتفالية، بل حتى دون أي سبب.
من التقاليد الروسية الحرص على الاحتفال بالأعياد الدينية والمدنية، والتي اندمجت معًا على مر السنين. من أشهر الأعياد في روسيا: عيد رأس السنة (1 يناير)، وعيد الميلاد المجيد (7 يناير)، وعيد ماسلينيتسا (Maslenitsa)، وعيد الفصح، ويوم المدافع عن أرض الأجداد (23 فبراير)، واليوم العالمي للمرأة (8 مارس)، ويوم النصر (9 مايو)، ويوم روسيا (12 يونيو).
التقاليد والطقوس العائلية
تحظى التقاليد العائلية في روسيا باحترام كبير وتُراعى دَائِمًا، نظرًا لأنها تقوي الروابط الأسرية. أصبحت الطقوس التي ترافق التقاليد العائلية جُزْءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية وتؤدي دَوْرًا خَاصًّا، حيث تساعدك على الشعور بالأمان داخل محيط الأسرة والثقة في المستقبل. وترتبط أشهر طقوس هذه التقاليد العائلية في روسيا المعاصرة بحفلات الزفاف، وولادة الأطفال، وحفلات التعميد (طقوس المعمودية).
حفلات الزفاف
يُعد حفل الزفاف الروسي احتفالًا ضخمًا، يحضره العديد من الضيوف، ويستمر ليومين على الأقل. وجرت العادة أن يُدعى أقارب العروسين وأصدقاؤهما للتجمُّع حول وليمة مشتركة مليئة بالمرح. ووفقًا للتقاليد، يبدأ الاحتفال بأن يأخذ العروسان قَضْمة من رغيف خبزته والدة العروس كرمز لزواج قوي وسعيد. ويُعتقد أن حجم القطع التي يقضمها العروسان يحدد مَن سيكون المسؤول عن الأسرة.
طقس التعميد
تترافق ولادة الطفل في العائلات الأرثوذكسية مع طقس التعميد. وعادةً ما يُعمَّد الأطفال في سن مبكرة تصل إلى عامين. يُقام طقس السر المقدس في الكنيسة حيث يحضر العرابون وأقرب الأقارب إلى جانب والدَي الطفل.
يغمر الأسقف الطفل في جرن المعمودية ويتلو صلوات تبارك مسار حياته. ويُعتقد أنه بعد هذا الطقس، يصبح العرابون أقرباء للطفل وللأسرة ولبعضهم بعضًا.
روسيا دولة علمانية ولا يسود فيها دين على آخر.
وتُعد الأرثوذكسية الطائفة الأكبر، حيث ينتمي إليها قرابة 75٪ من معتنقِي هذه الديانة.
الأدب والفن
الشعراء، والروائيون، والملحنون، والفنانون، والمجتمع الإبداعي، والتراث التاريخي لروسيا. عند تحليل ظاهرة واسعة النطاق مثل الثقافة الروسية، فمن المهم إدراك أن جزءًا هائلًا منها يُعزى إلى الأدب والفن. سنتحدث أدناه عن أشهر الكتاب والشعراء والفنانين الروس الذين قدموا إسهامًا هائلًا في الثقافة العالمية والتاريخ البشري.
لن تدرك روسيا بالعقل، ولن تقيسها بمعيار مألوف، فروسيا لها طبيعة متفردة – ليس لك إلا أن تؤمن بها.
فيودور إيفانوفيتش تيوتشيف
الشِعر
يحتل الشعر الروسي مكانة خاصة في الثقافة العالمية. ويتميز بعمق الفكر، ورقة الإحساس، وقوة التعبير في الصور. إليك بعضًا من أعظم الشعراء الروس: ألكسندر سيرجيفيتش بوشكين (1799-1837)، وميخائيل يوريفيتش ليرمنتوف (1814-1841)، وفيودور إيفانوفيتش تيوتشيف (1803-1873)، وأفاناسي أفاناسيفيتش فيت (1820-1892)، ونيقولاي ألكسييفيتش نيكراسوف (1821-1878). لقد تركوا جميعًا إرثًا عميقًا في تاريخ الأدب.
وتُرجمت أعمالهم إلى العديد من اللغات، ولا تزال تُلهم القراء حتى يومنا هذا.
يُعد الشعر الروسي جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي للإنسانية، ولا يزال مصدر إلهام لأجيال عديدة.
النثر
يمثل الأدب الروسي الكلاسيكي تراثًا لا يقدَّر بثمن تركه لنا كُتاب عظماء. ومن بينهم ليو نيكولايفيتش تولستوي (1828-1910)، وفيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي (1821-1881)، ونيقولاي فاسيليفيتش غوغول (1809-1852)، وميخائيل أفاناسيفيتش بولغاكوف (1891-1940)، وغيرهم الكثير. أصبحت أعمالهم أيقونية وكان لها تأثير هائل في الثقافة العالمية.
تُعرَف الكلاسيكيات الروسية في جميع أنحاء العالم بفضل موهبة كوكبة كاملة من المؤلفين الذين تمكَّنوا من التقاط جوهر الروح الروسية ونقله على نحو بارع. ولهذا الغرض، اتجه المؤلفون الروس إلى حركة فنية في الأدب والفن مثل الرمزية، والتي ساعدتهم على التعبير عن هذا المفهوم المعقد والمتعدد الأوجه والدقيق بطريقة فنية. على سبيل المثال، يصف إيفان سيرجيفيتش تورغينيف (1818-1883) في روايته "الآباء والبنون" الطبيعة الروسية كرمز للحرية والجمال الذي يعكس مشاعر الشخصيات وأفكارهم. في حين يقارن ن. ف. غوغول في قصيدته "الأرواح الميتة" روسيا بعربة ترويكا (عربة تجرها ثلاثة خيول)، ويشير ببراعة إلى السمات الوطنية للشخصية الروسية:
فن الرسم
إليك نبذةً صغيرة عن أشهر الفنانين الروس: إيليا يفيموفيتش ريبين (1844-1930)، وفاسيلي فاسيليفيتش كاندينسكي (1866-1944)، وفيكتور ميخائيلوفيتش فاسنيتسوف (1848-1926)، وإيفان كونستانتينوفيتش إيفازوفسكي (1817-1900)، وفالنتين ألكسندروفيتش سيروف (1865-1911).
لوحة "فتاة مع الخوخ" للفنان ف. أ. سيروف
أبدع الفنان الروسي ف. أ. سيروف (1865-1911) لوحته الشهيرة "فتاة مع الخوخ" في عام 1887. وتصور اللوحة فيرا مامونتوفا، ابنة فاعل الخير الروسي س. إي. مامونتوف (1841-1918). رُسمت اللوحة باستخدام تقنية الانطباعية، وتُعد مثالًا من أبرز الأمثلة على هذا الأسلوب في الفن الروسي.
تتميز اللوحة بتجسيدها لجو من الخفة ومتعة الحياة، وهو ما كان يميز حقبة الفن الحديث (الآرت نوفو). ابتكر ف. أ. سيروف صورة فتاة مفعمة بالحيوية والعفوية، وتلمع عيناها بالفرح والفضول. وأصبحت اللوحة رمزًا للشباب، وتجسيدًا للمثل الأعلى لجمال الفتيات في الفن الروسي في أواخر القرن التاسع عشر.
الموسيقى
ترك الملحنون الروس العظماء أثرًا كبيرًا في تاريخ الثقافة العالمي، ومنهم: بيوتر إيليتش تشايكوفسكي (1840-1893)، وسيرجي فاسيليفيتش رخمانينوف (1873-1943)، وإيغور فيودوروفيتش سترافينسكي (1882-1971)، وغيرهم الكثير. فلقد أصبحت أعمالهم من الكلاسيكيات، وتُعزف على نطاق واسع في الحفلات الموسيقية والعروض المسرحية والأفلام والبرامج التلفزيونية في جميع أنحاء العالم.
الباليه
تُستخدم موسيقى الملحنين الروس على نطاق واسع في عروض الباليه الروسي الكلاسيكي، والذي يُعد مثالًا يُحتذى به ومحط إعجاب في جميع أنحاء العالم.
كانت مايا ميخائيلوفنا بليستسكايا (1925-2015) راقصة باليه روسية أسطورية، وواحدة من ألمع نجوم الباليه العالمي عبر تاريخه.
تشتهر مدارس الباليه في روسيا بمستوى تدريبها العالي وتخريجها لنخبة من الفنانين البارعين. ويمكنك مشاهدة عروض باليه عالمية المستوى في مسرحين روسيين على الأقل: مسرح "بولشوي" (في موسكو) ومسرح "ماريينسكي" (في سانت بطرسبرغ).
يمكن اعتبار كلا المسرحين رمزًا للثقافة والفن الروسيين بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
الأمثال والأقوال المأثورة
يتميز التراث الشعبي الروسي بثرائه وأصالته. فهو يمثل إرثًا خاصًّا ومألوفًا لكل مواطن روسي، ويضم الأغاني، والحكايات الخرافية، والأمثال، والأقوال المأثورة، وغيرها من أشكال الفن الشعبي الشفهي. ويعكس التراث الشعبي خفايا الشخصية الوطنية، فَضلًا عن تقاليد الشعب وعاداته وعقليته.
الحكايات الخرافية
تُعد الحكايات الخرافية الروسية من أهم عناصر التراث الشعبي الوطني. فهي قصص مشوقة مليئة بالمغامرات، وصراع الخير ضد الشر، والتغلُّب على التحديات. وغالبًا ما تمثل شخصيات هذه الحكايات صفات معينة، مثل الحكمة، أو الشجاعة، أو اللطف، أو الدهاء. كما تعكس الحكايات الخرافية أفكار الناس حول تركيبة العالم، والعلاقات بين البشر، والأعراف الاجتماعية. وتزخر كل حكاية بالنماذج الأصلية والمعاني الخفية التي تحمل في طياتها الحكمة الشعبية.
وهناك تفسيرات عديدة للمغزى الأخلاقي الخفي وراء هذه الحكايات. لم تحتفظ جميع الحكايات بمعناها الأصلي حتى يومنا هذا، لكن الحكمة الشعبية حاضرة في كل منها، وتحمل إجابات كثيرة عن أهم الأسئلة الخالدة.
وفي الحكايات الشعبية الروسية، ينتصر الخير دائمًا على الشر
وقد يُعبَّر عن ذلك بطرق مختلفة: فالبطل يهزم ساحرًا شريرًا، أو يسترد ثروة مسروقة، أو ينقذ الناس من الخطر. وغالبًا ما يظهر عنصر السحر في هذه القصص لمساعدة الشخصيات على التغلُّب على التحديات.
كما تعلم الحكايات الخرافية الأطفال قيمًا أخلاقية مثل الصدق والعدل والرحمة والتعاطف. وتساعد الأطفال على فهم الصواب والخطأ، وكيفية التصرُّف في المواقف المختلفة.
الأمثال والأقوال المأثورة
تُعد الأمثال والأقوال المأثورة جُزْءًا لا يتجزأ من التراث الشعبي الروسي. إنها أقوال قصيرة ولكنها بليغة، تحمل في طياتها حكمة الشعب وتجاربه. وتعلمنا أن نعيش في وئام مع العالم من حولنا، وأن نقدِّر العمل، ونحترم كبارنا، ونعتني بالصغار.
وتُستخدم الأمثال والأقوال المأثورة في الحياة اليومية للتعبير عن الأفكار، وتقييم المواقف، والتواصل مع الآخرين. إليك بعض الأمثال الروسية الشائعة التي تكشف بدقة عن شخصية الروس وروحهم:
في التراث الشعبي الروسي، كان الرقمان 3 و7 يعنيان الحظ السعيد في الأصل، بينما حمل الرقم 13 معنى معاكسًا وأُطلق عليه اسم "دستة الشيطان". وغالبًا ما يُذكر الرقم 3 في القصائد الملحمية والحكايات الخرافية كدلالة على اكتمال دورة معينة وانتهائها، مثل "الميلاد – الحياة – الموت"، ويرمز أيضًا إلى تحدي القدر للبطل، كأن يختار من بين 3 طرق أو يجتاز 3 اختبارات للحصول على ما يريد. أما الرقم 7 فيرمز إلى تعدُّد الخيارات، وترافقه في التراث الشعبي الروسي أحداث وظواهر تجلب الحظ السعيد والحكمة.
الأزياء الشعبية
الوصف والرمزية
يُعد الزي الروسي من العناصر الأساسية للتراث الشعبي، ويمكن أن يخبرنا بالكثير عن ثقافة أجدادنا وحياتهم. شملت العناصر الرئيسية للزي التقليدي الرجالي: القميص، والقفطان، والقبعة، والحذاء الطويل. أما عناصر الزي النسائي فتمثلت في فستان السارافان وغطاء الرأس المعروف باسم الكوكوشنيك. وكان لكل عنصر دلالته الرمزية الخاصة إلى جانب وظيفته العملية.
على سبيل المثال، كان القميص يرمز إلى ارتباط الإنسان بالطبيعة والأجداد. وكان يُزيَّن بتطريزات تحمل بدورها دلالات رمزية: فالأنماط الهندسية تشير إلى الشمس، والأرض، والماء، وقوى الطبيعة الأخرى، بينما كانت تُعتبر صور الحيوانات والنباتات تمائم لحسن الحظ. أما فستان السارافان فكان خير تجسيد للجمال والأنوثة. وكان يُصنع بألوان مختلفة، لكن فساتين السارافان الحمراء كانت الأكثر شيوعًا. وكانت النساء المتزوجات يرتدين الكوكوشنيك كرمز للخصوبة والوفاء الزوجي.
المطبخ الوطني
عند الحديث عن ثقافة بلد كبير مثل روسيا، لا يمكنك أن تفوِّت الحديث عن المطبخ الوطني.
تتمتع ثقافة الطهي الروسية بتقاليد غنية، وقد تشكَّلت تحت تأثير مراحل تاريخية مختلفة وشعوب سكنت الأراضي الروسية لقرون عديدة. ومن أشهر أطباق المطبخ الروسي:
العادات اليومية
عند الحديث عن الطقوس والتقاليد الروسية الأكثر شعبية التي ترسخت في المجتمع الحديث، لا يسعنا إلا أن نذكر حمام البانيا.
حمام البانيا
تمتلك العديد من العائلات الروسية حمام "بانيا" خاصًّا بها في منازلها الريفية، أو تزوره بانتظام في المدينة. يتمتع حمام البانيا الروسي بتاريخ طويل يعود إلى العصور القديمة. ويكمن الفرق الرئيسي بين البانيا الروسية ومثيلاتها (مثل الحمامات العامة، والساونا، وغيرها) في استخدامها لموقد حجري يسخن الحجارة بدلًا من الهواء. تُغمر الحجارة بالماء لتوليد بخار شديد الحرارة.
وتتمثل الممارسة الروسية الأصيلة في الاستحمام بالبخار باستخدام مكنسة ورقية. وهو طقس استحمام خاص تُستخدم فيه حزمة من فروع أشجار معينة (مثل البتولا، أو البلوط، أو التنوب) لتوليد البخار والتربيت بها على الجسم من القدمين حتى الرأس. يحسِّن هذا الإجراء الدورة الدموية ويقوِّي جهاز المناعة. وبعد الانتهاء من حمام البخار، جرت العادة أن يغطس المرء في حوض من الماء البارد، أو يفرك جسمه بالثلج ويشرب شاي الأعشاب. ويُعتقد أن حمام البانيا الروسي الأصيل لا يقوي الجسد فحسب، بل يغذي الروح أيضًا.